التخطي إلى المحتوى

أثارت حملات الاعتقال التي ينفذها الحشد الشعبي في عدة محافظات عراقية، مخاوف من تحول القوة التي ساهمت في هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، إلى مؤسسة قمعية تنشط خارج أطر الدولة ومؤسساتها القانونية والقضائية.

والخميس، قالت الهيئة أنها اعتقلت 44 شخصا وصفتهم بأنهم “من الجماعات المنحرفة دينيا” في سبع محافظات عراقية في الوسط والجنوب، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية.

وفي الثامن من الشهر الجاري، أعلنت “إحباط مخطط“، قالت إن “حزب البعث المحظور يقوده ضد أمن بلدنا وزيارة الأربعين في أربع محافظات” هي كربلاء والديوانية وبابل والمثنى.

وفاة أحد المعتقلين لدى الحشد، وهو شيخ عشيرة معروف في محافظة الديوانية جنوبي العراق، بعد أيام من إطلاق سراحه، أعادت الحديث حول “تمدد” الحشد سياسيا وأمنيا و”تجاوزاته” لدوره المحدد في قانون تشكيله، وفق نواب ومراقبين.

“القانون 40 تحدث عن الحشد كتشكيل عسكري ضمن القوات المسلحة العراقية، مرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. وينص القانون على أن هذا التشكيل ومنتسبيه يخضعون للقوانين العسكرية النافذة من جميع النواحي”، يقول الكاتب المحلل السياسي، عقيل عباس، مضيفا، “ولا يمكن لتشكيل عسكري أن يذهب ويعتقل مدنيين”.

رئيس مركز “ألوان” للدراسات الإستراتيجية، حيدر البرزنجي، يشير، من جهته، إلى أن ممارسات الحشد الشعبي لا تتجاوز “الصلاحيات الممنوحة له في القانون” وأن الاعتقالات التي نفذها كانت “ضمن إجراءات أصولية، وعمليات الاعتقال والتحقيق تمت بموجب أوامر من قاضي التحقيق”.

تجاوز الصلاحيات

واعتبر نائبان في البرلمان العراقي، تحدثا لموقع “الحرة”، أن هيئة الحشد الشعبي تتجاوز صلاحيايتها بممارسة الملاحقات والتحقيق مع العراقيين، في الوقت الذي يجب أن ينحصر دورها في محاربة الإرهاب.

وقالت النائبة عن محافظة الديوانية، نور نافع، إن ما تقوم به قوات الحشد الشعبي داخل المحافظة يرقى لمستوى “التجاوزات على دور المؤسسة الأمنية”.

وأوضحت النائبة أن “تجاوزات الحشد تطال المواطنين العراقيين، وسط عدم وجود أي دور للأجهزة الأمنية الأخرى في وقف هذه التجاوزات”.

ووصف المحلل السياسي كامل الحساني أنشطة الحشد في المحافظات الجنوبية والغربية بأنها “مشكلة كبيرة” تعيد إلى الأذهان “ممارسات قاضي الأمن أيام النظام السابق، والتي لم يكن لها أصل ولا نص في قانون العقوبات ولا في قانون المحاكمات الجزائية ولا في قانون التنظيم القضائي، الصادر سنة 1979”.

واعتذر مسؤول في الحشد الشعبي عن الإجابة على استفسارات “الحرة” حول الموضوع، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق بـ”تحقيقات لا تزال جارية”، وخلال الفترة المقبلة قد تصدر بيانات توضيحية، بحسب قوله.

جهاز “استخبارات” الحشد

ويشير حيدر البرزنجي إلى أن اعتقال الحشد الشعبي لمجموعة أشخاص جاء بعد معلومات وصلت لجهاز الاستخبارات التابع له. و”بعد إجراءات أصولية تمت عمليات الاعتقال والتحقيق”.

في المقابل، يؤكد النائب المستقل، سجاد سالم، أن “هيئة الحشد الشعبي لا تعتبر سلطة تحقيق وفقا للقوانين العراقية، خاصة قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016”.

ويوضح عقيل عباس بـ”أنهم (أي الحشد) شكلوا هيئة استخبارات الحشد ولا يوجد قانون يشير إلى أن للحشد هيئة استخبارات ويكون لها قاض، هذه كلها لا نصوص قانونية عليها، وإنما هذه حدثت بسبب أمر ديواني صدر، ولكن الأمر الديواني ينبغي ألا يناقض قانونا”.

وتابع أن “القوات المسلحة لا علاقة لها باعتقال مدنيين أو إصدار أوامر باعتقالهم. مهمة قاضي الحشد هي محاسبة منتسبي الحشد، لا أن يذهب ويشكل استخبارات ويعتقل مدنيين على أساس تهمة سياسية. هذا ليس جزءا من عمل الحشد”.

لكن المحلل السياسي عدنان السراج، وهو نائب سابق عن دولة القانون، يقول إن للهيئة يتبع لها جهاز “الأمن الوطني، أو ما يمكن تسميته بجهاز الاستخبارات الداخلي والخارجي، ولديه صلاحيات بمتابعة أي عناصر مخلة بالأمن”. ويشير إلى أن قضاة الهيئة “يرتبطون بمحكمة مجلس القضاء الأعلى، ولديها محاكم تحقيقات من أجل القضايا العاجلة”.

والخميس توفي إقبال دوحان، شيخ عشائر مرمض في محافظة الديوانية إثر تفاقم حالته الصحية بعد أيام على إطلاق الحشد الشعبي سراحه، وظهر في مقاطع فيديو على سرير مستشفى وعليه آثار تعذيب.

ويشدد رئيس مركز “ألوان” للدراسات الإستراتيجية، حيدر البرزنجي على ضرورة عدم الاستعجال في ما يتعلق بأسباب وفاة الشيخ دوحان، وقال إن “هناك تقارير طبية أولية بأن الوفاة لا علاقة لها بظروف الاعتقال، وأن هذا الشخص كان يعاني من عدة أمراض”.

وأصبحت قوات الحشد الشعبي جزءا من القوات العراقية رسميا عام 2016، وكان لها دور أساسي في مواجهة تنظيم داعش إبان اجتياحه عدة محافظات عراقية شمالي البلاد وغربيها، لكن نشاطات الحشد السياسية والأمنية أصبحت مثار جدل منذ تمكنت القوات العراقية بدعم دولي من استعادة السيطرة عل المناطق التي كان يحتلها مسلحو داعش.

من مؤسسة “عسكرية إلى سياسية”

ويعتقد عقيل عباس أن “المشكلة بدأت منذ بدأ الحشد يتمدد من مؤسسة عسكرية إلى مؤسسة سياسية. رئيس الحشد هو يقود قائمة سياسية وممثلة في البرلمان. زعماء الحشد يرأسون منظمات سياسية، ويعطون تصريحات سياسية ويهددون رئيس الوزراء الذي هو القائد العام للقوات المسلحة”.

ويضيف أن تلك “من الأسباب الرئيسية التي جعلت حشد العتبات التابع للمرجعية ينفصل عن هذا الحشد الذي أصبح سياسيا يتدخل بالسياسية ويقوم باعتقال مواطنين مدنيين”.

وطالب النائب سجاد سالم، في حديث مع موقع “الحرة”، الأجهزة الأمنية بفرض سيطرتها داخل المحافظات.  وفي تغريدة عبر تويتر دعا سالم القائد العام للقوات المسلحة، مصطفى الكاظمي إلى “عزل فالح الفياض (رئيس هيئة الحشد الشعبي) لخرقه القانون وعدم استقلاليته واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه”.

وكشفت النائبة نور نافع أنها تجري حملة “لجمع التواقيع من النواب لتشكيل لجنة تحقق بتجاوزات ممارسات الحشد الشعبي في المحافظات العراقية”.

وشكك البرزنجي بدوافع المطالبة بـ”تحجيم دور الحشد الشعبي وحصره بالإرهاب”، وكرر قوله إن “صلاحياته منصوص عليها في القانون الذي أقر في 2016″. وقال إن الحشد يقوم بدوره في الوقت الذي تتقاعس فيه العديد من الأجهزة الأمنية عن القيام بدورها لأسباب عديدة”.

ويضم الحشد فصائل مسلحة منها فصائل موالية لإيران، كانت موجودة قبل فتوى الجهاد التي أطلقها في حزيران 2014 المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لمحاربة داعش، وشُكلت بموجبها فصائل من المتطوعين تعرف بـ”حشد العتبات المقدسة”، التي “أعلنت في نيسان 2020 انفصالها عن الحشد الشعبي”.

ويقدر عدد مقاتلي الحشد الشعبي، بحسب البرلمان العراقي، بـ110 آلاف، بينما يتراوح، بحسب خبراء، بين 60 الفا و140 ألفا، وفق تقديرات تعود لعام 2017.

المحلل السياسي، كامل الحساني قال إن “الغاية من صدور قانون الحشد المساهمة في مكافحة الإرهاب. وتمدد الحشد إلى المحافظات الجنوبية وقيامه بمهمات لم ينص عليها القانون يعتبر خرقا للقانون، وحتى قانون الحشد يتضمن خرقا للدستور، ولكن تم إصداره في خضم محاربة الإرهاب، وسكوت أطراف على تمرير القانون”.

ويؤكد خبير قانوني عراقي لموقع “الحرة”، فضل عدم ذكر اسمه، أن “الحشد الشعبي، يمارس أدوارا عديدة يتجاوز فيها الصلاحيات الممنوحة له بالقانون 40”.

وأضاف أن القانون الخاص لعام 2016 يقول إن الحشد “أحد تشكيلات القوات المسلحة، وينطبق عليه القوانين العسكرية”، ولكن الحشد ليس من أعضاء “الضابطة القضائية”.

ويوضح أن أعضاء الضابطة القضائية الذين يتبعون وزارة الداخلية هم من لديهم صلاحيات تنفيذ القبض والاعتقالات والتحقيق، والتي تتم بموجب “أوامر قبض”.

وذكر أنه، في ما يتعلق بوفاة شيخ العشيرة إقبال دوحان، يجب التأكد مما إذا كان الاعتقال وفقا للأصوال القضائية، وإذا لم يكن يجب تطبيق قانون العقوبات في ما يتعلق بالخطف والتعذيب المفضي للموت، وهو ما يجب أن تكشفه التحقيقات.

“مؤسسة قمعية”

وأبدى المحلل السياسي، كامل الحساني مخاوف من تحول الحشد الشعبي إلى مؤسسة قمعية، وقال إن “الدولة الآن هي رهينة للحشود المنضبطة وغير المنضبطة”.

وقال عقيل عباس إن اتهام الحشد بممارسة دور قمعي له ما يبرره “منذ احتجاجات تشرين 2019 وسقوط محتجي تشرين. وهذه السلوكيات الأخيرة تعطي مصداقية لهذه التهمة. وحتى في المنطقة الخضراء في بغداد، قُتل محتجون سلميون قبل اندلاع الاشتباكات. وخرج رئيس الوزراء وهدد بالاستقالة بسبب ما سماه “صراع اللادولة”، وهذا إعلان بأن عمليات القتل لم تتم بأوامر منه”.

وفي نهاية أغسطس، وقعت مواجهات مسلحة في المنطقة الخضراء المحصنة بين مؤيدين لمقتدى الصدر من جهة والجيش وفصائل في الحشد الشعبي من جهة أخرى، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والمصابين في صفوف أنصار التيار الصدري، وفق تقرير لوكالة فرانس برس.

وأشار تحليل لمجلة “فورين بوليسي” إلى أن العنف الذي شهده العراق في نحو أسبوعين، على عكس الاحتجاجات الشعبية في عام 2019، التي ولدت من رحم الإحباط الناجم عن الفساد السياسي، نجم مباشرة عن النفوذ الإيراني في البلاد التي باتت على شفا حرب أهلية شيعية، وفق التحليل. 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.