التخطي إلى المحتوى

لم يلبث السوريون أن خرجوا من التداعيات التي فرضها “شبح كورونا” عليهم لأكثر من عامين، حتى باتوا مهددين في الوقت الحالي بـ”شبح آخر”، بعدما دقت السلطات الصحية في منطقتي نفوذ خلال الأيام الماضية “ناقوس الخطر”، كاشفةً عن تسجيل عشرات الإصابات بمرض “الكوليرا”، وبعض الوفيات أيضا، من كبار السن والأطفال. 

وفي وقت أعلنت “الإدارة الذاتية” الكردية في شمال وشرق سوريا، السبت الماضي، تسجيل 3 وفيات، وأن “الكوليرا” يتفشى في محافظتي الرقة ودير الزور، أعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري، الاثنين، عن تسجيل 20 إصابة في مدينة حلب، و4 في اللاذقية، و2 في دمشق، بينما بلغ عدد الوفيات اثنتين، إثر “تأخر طلب المشورة الطبية، ووجود أمراض مزمنة مرافقة”. 

ورغم عدم تسجيل أي نوع من الإصابة في المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في ريف حلب الشمالي وإدلب، إلا أن السلطات الصحية هناك “تقف على قدم وساق”، حسب ما يقول أطباء لموقع “الحرة”، فيما تحدثوا عن “حالة استنفار”، كخطوة للاستجابة لأي إصابة، لاسيما أن الحدود الداخلية، وتنقل المواطنين بين مناطق النفوذ المختلفة “أمرا ليس صعبا”. 

ويظهر “الكوليرا” عادة في مناطق سكنية تعاني شحا في مياه الشرب، أو تنعدم فيها شبكات الصرف الصحي. وغالبا ما يكون سببه تناول أطعمة أو مياه ملوثة، ويؤدي إلى الاصابة بإسهال وتقيؤ. 

وبعد نزاع مستمر منذ 11 عاما، تشهد سوريا أزمة مياه حادة، على وقع تدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وهو ما أشار إليه رئيس البعثة الأوروبية، دان ستوينيسكو، صباح الثلاثاء، بقوله عبر “تويتر”: “لقد دمّر الصراع ثلثيْ محطات معالجة المياه ونصفَ محطات الضخّ وثلث خزانات المياه، مما سبّب حاليا نقصا في شبكات مياه الصرف الصحي الملائمة أو مياه الشرب”. 

وأضاف أن “إتاحة الحصول على مياه شرب آمنة و الصرف الصحي من حقوق الإنسان المعترف بها دوليا”، وأنه “ثمة حاجة حقيقية إلى احتواء هذا التفشي (الكوليرا) قبل أن يزداد انتشارا ويصيبَ عددا أكبر من الأشخاص في سوريا و المنطقة”. 

بدوره، أعرب المنشق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في سوريا، عمران رضا عن قلقه الشديد إزاء تفشي الكوليرا المستمر في سوريا، موضحا أن التقييمات الأولية السريعة تشير إلى أن “مصدر العدوى يُعتقد أنه مرتبط بشرب الأشخاص مياه غير آمنة من نهر الفرات، واستخدام المياه الملوثة لري المحاصيل”. 

ولا تزال “الكوليرا” تشكل تهديدا عالميا للصحة العامة، واعتبر رضا أن “هذه الفاشية في سوريا مؤشر على النقص الحاد في المياه في جميع أنحاء البلاد”. 

ويعتمد الكثير من السكان، الضعفاء بالفعل، في سوريا على مصادر المياه غير المأمونة، التي قد تؤدي إلى انتشار الأمراض الخطيرة التي تنقلها المياه، خاصة بين الأطفال. 

ويجبر نقص المياه الأسر على اللجوء إلى آليات التكيف السلبية، مثل تغيير ممارسات النظافة أو زيادة ديون الأسرة لتحمل تكاليف المياه. 

ووفق المسؤول الأممي، فقد تم “تكثيف مراقبة الإنذار المبكر في المناطق التي تم الإبلاغ عن تفشي المرض فيها وفي مناطق أخرى شديدة الخطورة، بما في ذلك في المخيمات التي تستضيف الأشخاص المشردين داخليا”. 

وسلم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أربعة آلاف اختبار تشخيصي سريع لدعم عمل فرق الاستجابة السريعة المنتشرة للتحقيق في الحالات المشتبه فيها، كما أوصل السوائل الوريدية وأملاح معالجة الجفاف عن طريق الفم إلى المرافق الصحية حيث يتم قبول المرضى المؤكدين. 

“البؤرة من حلب”  

وتوضح التقارير الصادرة عن “هيئة الصحة” في “الإدارة الذاتية” شمال وشرق سوريا أن الإصابات التي تم الكشف عنها تتركز في محافظة الرقة والريف الغربي لمحافظة دير الزور. 

وكانت “هيئة الصحة” قد أطلقت نداءات استغاثة ودعوات لـ”الصحة العالمية” من أجل التدخل بسلسلة إجراءات، بينما يقول رئيسها الطبيب، جوان مصطفى إن “الوضع تحت السيطرة”، وأنهم “اتخذوا التدابير اللازمة وجملة من الإجراءات الوقائية”. 

وتشير الدراسات الأولية التي أجريت، خلال الأيام الماضية، إلى أن سبب الإصابة هو “تلوث مياه الشرب”، وفق مصطفى، وأيضا حسب ما يؤكده الرئيس المشارك لـ”الهلال الأحمر الكردي”، الطبيب حسن أمين. 

يقول أمين لموقع “الحرة”: “المرض خطير جدا إذا لم يتداركه في المراحل الأولى”، معبّرا عن أسفه الشديد من “الطريقة التي يتعاطي بها المجتمع مع هذا النوع من المرض”. ويضيف: “مجتمعنا غير واعي صحيا. يقولون إسهال وما حصل أمرا اعتياديا. ليس عندهم ثقافة صحية لتدارك الموضوع بسرعة”. 

وقد يؤدي المرض إلى الوفاة بسرعة، إذا لم تتم معالجته في الوقت المناسب، ووفق الطبيب أمين: “هناك تفشي وخاصة من مدينة حلب. البؤرة من هذه المدينة”. 

في شمال وشرق سوريا، هناك أعداد متفاوتة من الإصابات، بينما تشير إحصائيات “الصحة العالمية” إلى أن التفشي يتركز على ضفاف الفرات في الرقة ودير الزور.  

و”هناك حالات اشتباه كثيرة، والسبب تلوث المياه والغذاء”. 

ويشرح الرئيس المشارك لـ”الهلال الأحمر الكردي” أنه ومع “انقطاع نهر الفرات تحولت أجزاء كثيرة منه إلى مستنقعات، فيما تتجه الناس للشرب منها”. 

علاوة على ذلك هناك أسباب أخرى للتلوث الحاصل، وتتعلق بسقاية الخضراوات من مياه الصرف الصحي، ويتابع أمين: “نهر جقجق في القامشلي تحول كله إلى تجمع للقمامة والصرف الصحي!”. 

عمر أبو ليلى مدير شبكة “دير الزور24″، التي تغطي أخبار المحافظة بشكل يومي، اعتبر أن “تفشي الكوليرا موضوع خطير جدا، يهدد المنطقة، كونه يسير مع سرير نهر الفرات”. 

“هناك إهمال صحي في دير الزور من جانب الإدارة الذاتية”، حسب أبو ليلى، الذي يرى أن “الرعاية الصحية فيها لا ترقى للرعاية الموجودة في بقية المناطق في شمال وشرق سوريا”. 

وعلى مدى السنوات الماضية باتت دير الزور تشهد تراكما من “اللا-رعاية الصحية”، الأمر الذي يهدد عن خروج هذه الإصابات عن السيطرة، وظهور جوائح أخرى. 

يقول مدير الشبكة الإخبارية لموقع “الحرة”: “أغلب أهالي دير الزور يذهبون لمحافظات أخرى لتلقي العلاج في الحسكة ودمشق، بينما لا تكترث البرامج الدولية للرعاية الصحية فيها”. 

وفيما يتعلق بالتلوث الحاصل بنهر الفرات، يضيف أبو ليلى إن معايير النهر اختلفت على نحو كبير خلال الفترة الماضية، ما بين التلوث وانخفاض المنسوب.  

ويعتقد أن “الكوليرا جائحة لا تقل عن كورونا”، وأن “القضية لن تبقى في دير الزور إذا لم تعالج”. 

ويعتقد القسم الأكبر من السكان في الرقة ودير الزور على نهر الفرات، كمصدر أساسي للمياه، ومع قلة الوارد المائي تزيد الأحماض والملوثات، بينما لم يعد بمقدوره التخلص منها، من خلال جريانه. 

ورغم وجود محطات تحلية وتصفية على طول السرير النهري، إلا أن تقارير إعلامية كانت قد تحدثت أن قسم كبير منها توقف، بسبب انخفاض منسوب النهر. 

“الأرقام تتضاعف” 

وفي غضون ذلك يقول مدير برنامج اللقاح في “شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة” التابعة لـ”وحدة تنسيق الدعم”، الطبيب محمد سالم، إن الإصابات بـ”الكوليرا” في مناطق شمال وشرق سوريا “تضاعفت خلال الأيام الماضية”، وأن “الوضع إلى الأسوأ”، حسب تعبيره. 

ويضيف سالم لموقع “الحرة” أن الإصابات بدأت من حلب، ومن ثم إلى دير الزور وبقية المناطق، مشيرا: “في الوقت الحالي فإن مسار الفرات كله ملوث، فيما يعتمد الأهالي على الشرب منه بشكل مباشر، بدون كلورة للمياه”. 

“الأرقام تتضاعف بشكل سريع”. وفق ما يؤكد الطبيب السوري، كاشفا أن “الكوليرا وصلت إلى البوكمال يوم الاثنين لأول مرة”، وأن “الإصابات تجاوزت 300 مع تسجيل 5 وفيات”. 

ويتابع المختص برصد الأوبئة في سوريا: “العدد مرشح للزيادة والانفجار بشكل مفاجئ”. 

وقد اتخذت السلطات الصحية في مناطق شمال وغربي سوريا، الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة سلسلة من الإجراءات، من أجل التعامل مع أي حالة قد تسجل في الأيام المقبلة.  

ويرى الطبيب سالم أن وصول المرض إلى شمال وغرب سوريا “متوقع”، لكن هناك خطورة كبيرة في حال وصل إلى المخيمات المكتظة بالنازحين. 

من جانب آخر، يؤكد الرئيس المشارك لـ”الهلال الأحمر الكردي”، حسن أمين أن الحد من “الكوليرا” يكمن باحتواء المرض في مراحلة الأولى، وخاصة من خلال “العلاج بالإماهة أي زيادة السوائل، وتعويض الشوارد”. 

ويوضح الطبيب: “في المراحل الأولى علاجه سهل جدا، لكن قد يؤدي إلى الوفاة مع استمرار الإسهال والجفاف الشديد، وخاصة عند كبار السن والأطفال”. 

“كهلال أحمر كردي أخذنا جميع إجرائاتنا وفريق المثقفين الصحيين التابع لنا يعطي محاضرات توعية وإرشادات. هذه المرحلة الأساسية من العلاج”، حسب أمين. 

“مخاوف وتحذيرات” 

وفي مناطق سيطرة النظام السوري لا يختلف الوضع كثيرا عن مناطق شمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية”، إذ أعلنت وزارة الصحة السورية تسجيل عشرات الإصابات. جميعها في مدينة حلب. 

وقالت الوزارة في بيان، الثلاثاء، إنها “ستقوم بإصدار تحديث عن الوضع الوبائي حول مرض الكوليرا كل 48 ساعة، لتسهيل الحصول على المعلومة من مصدرها المؤكد والحصري”. 

ووفق بياناتها، فقد تم تسجيل 26 إصابة حتى الآن، بينما يستمر العمل على “اتخاذ الإجراءات المناسبة لتطويق المرض”، وأن “العلاج متوفر بكافة أشكاله وتم تعزيز وتزويد المشافي بمخزون إضافي، تحسبا لأي زيادة في أعداد الحالات المحدودة حتى الآن”. 

وأوضح أخصائي الأمراض الداخلية، الدكتور اليان مسعد، في مداخلة إذاعية، الاثنين، أن “سبب ظهور الكوليرا هو الوضع الشاذ للمياه بشرق الفرات، وأن الآبار بعضها ملوث شمال حلب”. 

ومن جهة أخرى، ترتبط الأسباب بـ”زيادة اعتماد الناس على الأطعمة الجاهزة والمكعبات الثلجية، كما كان لارتفاع درجات الحرارة اللاهبة وانقطاع الكهرباء أثرا في الظهور”. 

إضافة إلى ذلك، وفق مسعد فإن أسباب الظهور تتعلق أيضا بـ”تراجع الإمكانيات المادية للناس وقلة المياه العذبة والنقية وأيضا بسبب الأوضاع التي تمر بها سورية وتهالك شبكة الصرف الصحي”. 

وحتى يوم الاثنين وصل عدد الحالات المصابة بالكوليرا في حلب إلى 50 حالة، حسب الطبيب السوري المقيم في حلب، معتبرا أن “ما أعلنت عنه وزارة الصحة السورية من أرقام هو ما تم إعلامها به”. 

وتأتي الجوائح إلى سوريا من الخارج، والكوليرا سبق أن دخل في الثمانينيات عند انتقال “الحجاج” وقدومهم من بنغلادش وأفغانستان وتركيا، ليختفي في عام 1989، وفق الطبيب. 

من جهته يشير مدير البرامج في “منظمة الأمين” الإنسانية، الدكتور رامي كلزي، إلى أن الإصابات في تصاعد سريع، خاصة في مناطق سيطرة النظام السوري ومناطق شمال وشرق سوريا. 

أما في مناطق الشمال السوري الخاضع للمعارضة، ورغم عدم تسجيل أي إصابة حتى الآن “إلا أن الوضع تتم مراقبته بحذر. أي حالة إسهال يتم الاشتباه بها ترسل عيناتها إلى المخابر”. 

ويقول كلزي لموقع “الحرة”: “في الوقت الحالي هناك تجهيزات في شمال سوريا لكن ليس بالشكل المطلوب”.

ويضيف: “نحن نحتاج كلور ومحاليل الإماهة الفموية. المستودعات لدينا قليلة نسبيا لكن الوضع إلى الآن يندرس لتأمين الحد الأدنى المطلوب”. 

“هناك مخاوف كبيرة من وصول المرض إلى شمال غربي البلاد، ومن ثم خروج الإصابات عن السيطرة”. 

ويضيف الطبيب السوري: “صحيح أن نسبة الوفيات تقارب 5 بالمئة من الإصابات الكلية، إلا أن المناطق في الشمال السوري لها وضع مختلف. يوجد ضعف في مصادر المياه ومحاليل الإماهة. قد تكون نسب الوفيات على نحو أكبر”. 

ويصيب المرض سنويا بين 1.3 مليون و4 ملايين شخص في العالم، ويؤدي إلى وفاة بين 21 ألفا و143 الف شخص، حسب تقارير منظمة “الصحة العالمية”. 

وكانت المنظمة أطلقت عام 2017 استراتيجية عالمية بشأن مكافحة الكوليرا بعنوان “وضع حد للكوليرا: خريطة طريق عالمية إلى عام 2030″، وذلك بهدف تخفيض الوفيات الناجمة عن الكوليرا بنسبة 90 بالمئة.  

وتوضح تقديرات المنظمة العالمية أن “الكوليرا مرض إسهال حاد يمكن أن يقتل في غضون ساعات إذا لم يُعالج”، ويعد توفير المياه ومرافق الصرف الصحي المأمونة أمرا حاسما للوقاية منه، وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه ومكافحتها. 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.