التخطي إلى المحتوى

أجنة فئران طبيعية وأجنة مُخلَّقة لفئران قام باستزراعها الفريق البحثي الذي ترأسه ماجدالينا زرنيكا-جوتز، اختصاصية بيولوجيا النمو.

أجنة فئران طبيعية وأجنة مُخلَّقة لفئران قام باستزراعها الفريق البحثي الذي ترأسه ماجدالينا زرنيكا-جوتز، اختصاصية بيولوجيا النمو.

Credit: Gianluca Amadei, Charlotte Handford

إن وصفة تكوين مخلوق ثدييّ سهلة وبسيطة: نأتي ببويضة، ونضيف إليها حيوانًا منويًّا، وننتظر، لكن توجد طريقة أخرى عرضها بحثان نُشرا مؤخرًا، وهي أن الخلايا الجذعية تنقسم وتنظم نفسها، تحت ظروف معينة، لتصبح أجنة، دون الحاجة إلى بويضات أو حيوانات منوية، وقد نشر فريقان بحثيان على مدار الشهر الحالي دراسات في دوريّتي «سِل» Cell و«نيتشر» Nature توضح نجاحهم في استزراع أجنّة مُخلَّقة للفئران لمدة أطول بكثير مما وصلت إليه الدراسات السابقة، فقد استمر نمو الأجنّة لمدة ثمانية أيام ونصف، وهي المدة التي كانت كافيةً لنموّ أعضاء واضحة، مثل القلوب النابضة والقنوات الهضميّة، والطيَّات العصبيّة أيضًا.

لم تأتِ نتائج هذه العمليّة مثالية، إذ إن هذه الأعضاء لم تظهر إلا في نسبة ضئيلة من الخلايا، كما أن تلك النسبة الضئيلة لم تحاكِ الأجنَّة الطبيعيّة بشكلٍ كامل، لكن يبقى أن هذه التجربة تمثِّل نقلةً كبيرةً سوف تساعد العلماء على دراسة مراحل نموّ الأعضاء بدقَّةٍ غير مسبوقة، يقول جيانبينغ فو، اختصاصي الهندسة الطبية والحيويّة بجامعة ميتشيجان بمدينة آن آربر الأمريكيّة: “هذه النتائج مثيرةٌ للغاية”، مضيفًا: “أتوقع أن الإنجاز الكبير التالي في هذا المجال سيكون تخليق جنينٍ بشريٍّ من الخلايا الجذعيّة”.

وقد استخدم الفريقان البحثيان تقنياتٍ متشابهةً لتحقيق هذا الإنجاز، كانت ماجدالينا زرنيكا-جوتز -اختصاصية بيولوجيا النموّ والخلايا الجذعيّة بمعامل جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بمدينة باسادينا الأمريكيّة- قد درست هذه المسألة على مدار عقد كامل، تقول زرنيكا-جوتز: “اقتصرنا في بداية دراستنا على استخدام الخلايا الجذعيّة الجنينيّة”، موضحةً أن “لهذه الخلايا القدرة على محاكاة المراحل المبكِّرة لنموّ الأجنة، إلا أننا لم نستطع تحقيق ما هو أبعد من هذا في ذلك الحين”، لكن فريق زرنيكا-جوتز البحثي اكتشف منذ بضع سنوات أن إضافة الخلايا الجذعيّة التي تنشأ منها المشيمة وكيس المحّ إلى التجربة قد حقق نموًّا أكبر للأجنّة، أما في العام الماضي، فقد أثبت الفريق إمكانيّة استخدام هذه التقنية لاستزراع الأجنّة حتى اليوم السابع بعد بدء نموها، ويعرض فريق زرنيكا-جوتز في ورقتهم البحثية الأخيرة المنشورة في دورية Nature التجربة التي مكَّنتهم من تمديد فترة نموّ الأجنّة لمدة أطول بيوم ونصف يوم. 

استزراع الأجنّة في قوارير زجاجيّة

وقد تمكَّن فريق زرنيكا-جوتز من تحقيق هذا النجاح باستخدام تقنيّة طوَّرها جاكوب هانّا، اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعيّة بمعهد وايزمان للعلوم بإسرائيل، الذي كان بدوره يعكف سنواتٍ على دراسة هذه الفكرة، وقد أعلن الفريق البحثي الذي يرأسه هانّا خلال العام الماضي عن ابتكارهم جهازًا مكَّنهم من استزراع أجنّة طبيعيّة للفئران خارج الرحم لمدة زمنية غير مسبوقة، حافظت هذه الحاضِنة البيولوجيّة على نموّ الأجنّة منذ اليوم الخامس إلى اليوم الحادي عشر بعد بدء نموها، وقد استقى الباحثون الأفكار الأساسيّة لتصميم هذه الحاضنة من تقنية سابقة استُزرِعت فيها الأجنّة داخل قوارير زجاجيّة تدور بواسطة نظامٍ شبيه بالعجلة الدوّارة في مدينة الملاهي، بعدما أضافوا إليها نظامًا للتهوية، ويتحكَّم نظام التهوية هذا في خليط الأكسجين وثاني أكسيد الكربون الذي يُضَخّ في القوارير، كما يتحكَّم في مستويات الضغط.

وبعد نشر هانّا ورقته البحثية خلال العام الماضي، أتاح فريقه معلوماتٍ عن بعض أجزاء الحاضِنة التي ابتكروها أمام اختصاصيين آخرين في بيولوجيا النموّ والخلايا الجذعيّة، يقول هانّا: “لقد قدّمنا المعلومات عن التصميم الرئيسي لهذه الآلة لكل مَن طلبها منّا”، وكان من بين هؤلاء زرنيكا-جوتز وزملاؤها، الذين أضافوا تعديلاتٍ بسيطةً إلى التصميم لاستخدامه في تجاربهم، وقد نشر فريق هانّا ورقةً بحثيّةً في دوريّة «سِلّ» في الأول من أغسطس، وصفوا فيها استخدامهم ذلك النظام مرةً أخرى لاستزراع الأجنّة لمدة استمرت ثمانية أيام ونصف بعد بدء نموها، ومن المعروف أن مدة الحمل الكاملة عند إناث الفئران تصل إلى حوالي 20 يومًا.

وتُعدّ هذه الفترة كافيةً لنموّ مناطق الدماغ المختلفة، وبدء نشاط نبضات القلب، وتكوين القنوات الهضميّة والعصبية في الأجنّة، كما أن هناك شبهًا كبيرًا بين هذه الأجنَّة المُخلَّقة والأجنَّة الطبيعية لدى الفئران، التي تتكون عند التقاء الحيوانات المنويّة بالبويضات، إلا أن نوعَيْ الأجنة “لا يتطابقان بنسبة 100%”، وفق تصريح هانّا، الذي يضيف: “هناك بعض العيوب وبعض التغيُّرات في أحجام الأعضاء”.

وكان كل فريقٍ قد استزرع الأجنّة من خلال دمج ثلاثة أنواع مختلفة من الخلايا، في حين نجح فريق هانّا كذلك في تخليق أنواع الخلايا الثلاثة من خلايا جذعيّة جنينيّة بدائيّة، يقول هانا عن ذلك: “كانت تلك وسيلةً لتبسيط العمليّة”، مضيفًا أن ذلك “يتيح لك استزراع الأجنّة بالاستعانة بمجموعةٍ واحدةٍ من الخلايا”، وقد أعلن فريق زرنيكا-جوتز عن إنجازٍ مماثل في ورقة بحثية غير محكّمة نُشِرَت على موقع «بيو أركايف» bioRxiv (يوضح البحث الذي نشره الفريق في دورية Nature أنهم استعانوا في تخليق الأجنّة بخلايا مشيميّة سالفة مأخوذة من سلالة خلويّة). 

نموّ الدماغ

كذلك، أجرى فريق زرنيكا-جوتز تجربةً قاموا فيها بتعطيل جينٍ يُسَمَّى Pax6، يؤدي دورًا رئيسيًّا في نمو الدماغ، وحينما عطَّل الباحثون هذا الجين، وجدوا أن رؤوس الفئران لم تنمُ بشكلٍ سليم، محاكيةً في ذلك ما يحدث في الأجنّة الطبيعيّة التي لا تحمل هذا الجين، وتقول زرنيكا-جوتز: إن هذه النتيجة توضح “أن التجربة ناجحة فعالة”.

يقول مارتن بيرا، اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعيّة في «مركز جاكسون لمعامل أبحاث الجينات الدقيقة» Jackson Laboratory Center for Precision Genetics بمدينة بار هاربر بولاية ماين الأمريكيّة: “هاتان الورقتان البحثيتان يدعم بعضهما بعضًا”، مضيفًا: “عندما يكون لدينا فريقان ضليعان في مجالهما يصلان إلى نتائج شديدة التشابه، كلٌّ على حدة”.

أما بالنسبة لمجتمع الباحثين، فلهذه النماذج المُخلَّقة مزايا عديدة تفوق مزايا الأجنّة الطبيعيّة المنتَجة من البويضات والحيوانات المنويّة؛ فنظرًا إلى أن هذه النماذج المُخلَّقة تنمو خارج الرّحم، يسهل على الباحثين متابعتها ودراستها معمليًّا بصورةٍ أوضح، كما يسهل التحكم فيها باستخدام أدوات التحرير الجينوميّ، يقول فو: “يمكننا مع هذه النماذج التشويش على جينات الفئران والبشر جميعًا، أو تعديلها فيها، أو تعطيلها”، وقد يساعد ذلك الباحثين على اكتشاف دور الجينات المختلفة في حدوث العيوب الخلقيّة أو اضطرابات النموّ، على سبيل المثال، تخطط رزنيكا-جوتز للاستعانة بهذا النموذج في فهم أسباب عدم اكتمال الحمل.

كذلك، يأمل هانّا استخدام هذه التقنية لاستزراع أجنة بشرية مُخلَّقة يمكن الاستعانة بها في إنتاج أعضاء وأنسجة جديدة للمرضى الذين يحتاجونها. 

ماذا عن البشر؟

إلا أن استعمال هذه التقنية مع أجنّة بشريّة لن يكون أمرًا سهلًا؛ فقد استطاع الباحثون من قبل تحويل الخلايا الجذعيّة البشريّة إلى حوصلات أروميّة، بل استطاعوا أيضًا محاكاة بعض مراحل تكوُّن المُعَيدَة، وهي المرحلة التي تنتظم فيها أجزاء الأجنة المبكِّرة في طبقاتٍ متميِّزة مكوَّنَة من أنواع مختلفة من الخلايا، إلا أن الوصول إلى مرحلة تكوين الأعضاء في الخلايا البشريّة، والتي تحدث بعد حوالي شهرٍ من الإخصاب، لا يزال يمثِّل تحديًا تقنيًّا بالغًا، لكن علي بريفانلو -اختصاصي بيولوجيا النموّ بجامعة روكفلر بمدينة نيويورك- يعبّر عن تفاؤله قائلًا: “لقد اقترب الباحثون في هذا المجال كثيرًا من تحقيق هذا الهدف”.

في الوقت ذاته، تتنامى بعض المخاوف المتعلقة بالاعتبارات الأخلاقيّة مع تطور تجارب استزراع هذه الأجنّة؛ فهناك تساؤل مهم يخلق جدلًا واسعًا في حقل التخصص حول ما إذا كانت هذه التراكيب المُخلَّقة تُعدّ أجنّةً بالفعل، كانت «الجمعية الدوليّة لأبحاث الخلايا الجذعيّة» International Society for Stem Cell Research توصي فيما سبق بعدم استزراع الأجنّة البشريّة لمدة تتجاوز 14 يومًا (وهو ما يعادل ستة أيام في حالة أجنّة الفئران)، هذه هي المرحلة التي يظهر فيها “الشريط البدائيّ”، وهو النسيج الذي يمثِّل ظهوره بداية مرحلة تكوُّن المُعَيدة، لكن «الجمعيّة» ألغت هذا القيد في عام 2021، وأصدرت توجيهاتٍ جديدةً تؤكِّد ضرورة وجود أسس علميّة قوية لإجراء مثل هذه التجارب، وأهمية استخدام أقلّ عدد ممكن من الأجنّة اللازمة لتحقيق الهدف من التجربة.

ورغم ذلك، يرى بيرا ضرورة استمرار الحوار حول الاعتبارات الأخلاقيّة المتعلقة بإجراء هذه التجارب، فقد ظلّ العلماء سنواتٍ يعملون على دراسة نماذج الأجنّة البشريّة دون التعرُّض للكثير من التحفظات من قِبَل جهات أخرى، إلا أن بيرا يخشى ردود الأفعال الغاضبة التي قد تظهر عندما يبدأ العلماء في إنتاج نماذج لأجنّة بشريّة ينمو لها بعض الأعضاء، يقول بيرا: “إن ردّ الفعل قد يقوّض هذا المجال البحثيّ بأكمله”، مضيفًا: “من المهم أن يعرف الناس طبيعة هذه التجارب وأهدافها، وأن تُجرى في ظل توافقٍ حول المعايير الأخلاقيّة”، ويختتم بيرا بقوله: “علينا أن نمضي قدمًا، ولكن باحتراز”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.