التخطي إلى المحتوى

نجحت أسماك الكهف المكسيكية العمياء (أو التترا المكسيكية)styanax mexicanus  في التكيُّف مع ظروفٍ بالغة القسوة؛ إذ تعيش في ظلامٍ دامسٍ داخل كهوفٍ قارسة البرودة، تفيض بالماء مرةً واحدةً كل عام تقريبًا، فيتوافر لها الغذاء لفترات وجيزة تتخللها فتراتٌ طويلةٌ من الجوع الشديد، تسمن هذه الأسماك بسهولة، وترتفع في أجسامها نسب جلوكوز الدم، وهي لا تنام إلا قليلًا، كما أن هذه الأسماك فقدت بصرها وألوانها، ورغم هذه الظروف الصعبة، تعيش هذه الأسماك حياةً طويلةً نسبيًّا، تصل في أغلب الأحيان إلى 15 عامًا، وتشير أبحاث علم الوراثة اليوم إلى أن فقدان اللون ليس محض عَرَض من أعراض التطور، بل قد يكون وسيلةً تساعد هذه الأسماك -التي تتسم بالقدرة على الاحتمال- في توليد الطاقة التي لا يمكنها الاستغناء عنها.

هذا الاحتمال توصل إليه الباحثون في معهد ستوارز للأبحاث الطبية في مدينة كانساس بولاية ميزوري الأمريكية، تحت إشراف اختصاصيي البيولوجيا التطورية جايا كريشنان ونيكولاس رونر، بينما كانوا يصممون مخططًا لتغيُّرات التنظيم الجيني التي تُعين أسماك الكهف المكسيكية العمياء على احتمال بيئتها القاسية الصعبة، ونظرًا إلى صعوبة دراسة المناطق التنظيمية في الحمض النووي (تلك المناطق التي لا تنتج البروتينات بشكلٍ مباشر، بل تتحكم -عوضًا عن ذلك- في أماكن وتوقيتات إنتاج جينات أخرى لتلك البروتينات)، فقد استخدم العلماء تقنيتين لمقارنة تلك الأجزاء في أسماك الكهف بنظيراتها في الأسماك النهرية ذات الصلة، بدأ العلماء بتخطيط التغيُّرات في العلامات الكيميائية على شريط الحمض النووي، التي تحدد أي الجينات يتم التعبير عنه، ثم شرعوا في تتبُّع التحولات في تلك المناطق التنظيمية التي استطاعوا التعرُّف عليها، وذلك من خلال تحديد أجزاء الشفرة الجينية التي تنفتح للاستنساخ، وتلك التي تظل مطويةً ومغلقة.

تصف سوزان ماكجو -اختصاصية البيولوجيا التطورية في جامعة مينيسوتا، والتي لم تشارك في هذه الدراسة الجديدة التي نُشرت في دورية «نيتشر جينيتكس» Nature Genetics– نتائج الدراسة بقولها: “إنها بمنزلة تطور تقني هائل، من شأنه أن يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية حول أسماك الكهف”.

وبالاستعانة بهاتين التقنيتين، أمكن للباحثين رصد كثيرٍ من الفروق في جينومات أسماك الكهف مقارنةً بالأسماك قريبة الصلة بها التي تعيش بالقرب من سطح الماء، ومن بين الفروق التي رصدوها اختفاء جزء من الحمض النووي في جين hpdb، هذه الطفرة تجعل أسماك الكهف عاجزةً عن استقلاب الحمض الأميني المعروف باسم التايروسين Tyrosine لتخليق صبغة الميلانين، ما يؤدي إلى اختفاء الألوان من هذه الأسماك، وقد انتهى الباحثون إلى أن التايروسين يمكن أن يتحول [بدلًا من ذلك] لتوليد الطاقة حين تكون أسماك الكهف في حالة حرمانٍ منها”، تقول كريشنان: “إنها تستخدم أي ركيزة، متى توافرت، في توليد الطاقة من أجل البقاء حيةً في تلك البيئة القاسية”.

ويساعد التايروسين كذلك في إنتاج الدوبامين والنوريبينفرين اللذَين تفرزهما كثيرٌ من الحيوانات استجابةً للإجهاد، وقد ربطت دراساتٌ سابقة حول أسماك الكهف بين فقدان الصبغة من جهة وارتفاع نِسب هذين الهرمونين وقلة فترات النوم التي تحتاج إليها أسماك الكهف من جهةٍ أخرى، وتشير الدراسة الحالية إلى أنّ فقدان الصبغة يؤثر أيضًا في عملية الأيض، وفق ما تقول ماكجو.

ونظرًا إلى أن سماتٍ مثل الاصطباغ والأيض والنوم تعتمد على هرموناتٍ وتفاعلاتٍ كيميائيةٍ ذات صلة، فإن التأقلم في أحد هذه الجوانب سيؤدي إلى تغيُّر في جميع الجوانب الأخرى أيضًا، تقول كريشنان إن هذه المقايضات هي القاعدة وليست الاستثناء لدى الحيوانات التي تعيش في موائل تفتقر إلى ما يلزمها من غذاء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.